هموم ثقافية

الميثولوجيا والأدب

يمكن تعريف الميثولوجيا، استنادًا إلى البحث العلمي والشعوبي، بأنها: “علم الأساطير المُتّصلة بالآلهة وأنصاف الآلهة والأبطال الجغرافيين، عند شعب من الشعوب.” واستنادًا إلى هذا التعريف؛ فإنّ مصطلح الميثولوجيا يُطلق على شيئين: الأول: دراسة الأساطير، وذلك كفرع من العلوم، يهتم بجمع الأساطير ودراستها وتفسيرها، والثاني: مجموع الأساطير والقصص (الليجندات) لأي ثقافة كانت، ومنه يتم استخدام التعابير مثل ميثولوجيا: إغريقية أو لاتينية أو عربية… إلخ.

وقد ورد، في أكثر التعاريف شيوعًا للميثولوجيا، أنها قصة مقدسة أو قصة عن الآلهة؛ لذا يستخدم العلماء كلمة “أساطير دينية”، للدلالة على هذا المصطلح. وعليه يمكننا القول: إنّ أغلب القصص المستندة إلى الميثولوجيا تعود إلى أساس ديني بحت، يتناول الآلهة، منذ أقدم العصور وحتى يومنا هذا.

من خلال منبرنا (جيرون)، نود الإضاءة على العلاقة المتبادلة بين الأدب عامةً من مسرح وسرد قصصي وروائي وشعري، وبين الميثولوجيا، والتأثير العميق بينهما، من حيث الأصل والجذر من جهة، والفرع من جهةٍ أخرى، وذلك منذ آلاف السنين وحتى اليوم؛ إذ لم يخلُ الأدب شعرًا كان أو مسرحًا أو روايةً، من حكايات الشعوب وتقاليدها وأعرافها، وما عبدت من آلهة وما مارست من طقوس، في سبيل إرضاء تلك الآلهة.

فقد برزت في الألف الرابعة قبل الميلاد إحدى أهم حضارات التاريخ، إن لم تكن أهمها على الإطلاق، ألا وهي الحضارة السومرية التي أنتجت فيما بعد -إضافةً إلى المدنية والقانون- فنونَ الكتابة المسمارية التي بقيت حكرًا على كتَبة المعابد، لتشريع ما يمكن تشريعه من أنظمة دينية، تقود المجتمع وفق ما يراه الكهنة من فعلٍ صائب لإرضاء الآلهة، ثم ما لبثت أن عممت بشكل من الأشكال، فنُقشت على الألواح الطينية السومرية الأساطيرَ التي تمجّد الآلهة المتعددة، على شكل نصوص شعرية، حفظها التاريخ في متاحف العالم أجمع. ومن أهم تلك النصوص السومرية (إنانا وأنكي)، وهي قصيدة ذات تكوينات مليئة بالدراما، وُظفت بشكل صياغة شعرية تسمو إلى نطق الآلهة، وتتماثل مع نصوص الحكمة ووصايا الطقوس السومرية.

كما تعد الملحمة السومرية الخالدة (جلجامش) أولَ عمل أدبي مكتمل، تجاوز حدود سومر، حلمًا سرمديًا، يعاد ويُعاد ولا تشبع منه العقول، وعندما ضربت أمواج ذاك الحلم السومري العراقي الجميل شطآنَ العالم المعاصر القريب والبعيد؛ احتل المكانة الأولى في أساطير الشعوب الإغريقية والآسيوية على حد سواء، وكل ذلك النقل الميثولوجي كان عن طريق الأدب عمومًا، والشعر خصوصًا، حيثُ استطاع الكتبة تدوين تلك الملحمة الأسطورية كاملةً في سطور شعرية، على اثني عشر لوحًا فخاريًا؛ وعليه لا بد هنا من القول:

إنّ الأدب هو الناقل الرئيس لحكايات الشعوب وأساطيرها، كما أن الميثولوجيا ترسّخت بشكلٍ جذري في الشعر والقصص؛ ليكونا (الأدب والميثولوجيا) متكاملين منذ القدم. فمن خلال نظرة بسيطة إلى النص الشعري الأسطوري (إنانا وأنكي)، نلاحظ عمق التداخل، بين الميثولوجيا والأدب عند السومريين، حيث يغلب الطابع الشعري في نقل الأسطورة وتوصيفها.

والملحمة السومرية ليست إلا مثالًا تاريخيًا حاضرًا على التفاعلية المتبادلة بين الشعر والميثولوجيا، إذ إن الأمثلة لا تحصى، ومنها أيضًا الملحمة الإغريقية التي سطّرها الشاعر هوميروس في تراجيدياته المشهورة، وجميعها -أي الأساطير- جاءت في قالب شعري أدبي كان كفيلًا بتخليدها حتى الآن.

لم يكتفِ الأدب بأن يكون شاهدًا وناقلًا ومُؤثرًا ومتأثرًا بالميثولوجيا القديمة فقط، وإنما امتدت الميثولوجيا وترعرعت في كنفه إلى الكثير من الأعمال الأدبية سواء العربية أو العالمية؛ إذ كان بعضها الحامل الأول للنص الشعري أو المسرحي أو الروائي، أو الحامل الثانوي أحيانًا أُخر. فإذا ما مررنا بالصوفيين، ولا سيما في العصور الإسلامية؛ فسنلاحظ عمق هذا التأثير المتبادل، خاصةً عند الشعراء منهم، كالحلاج الذي حمل الميثولوجيا الدينية في قصائده، والذي لم يكن إلا واحدًا ممن التحقوا بركب التدوين الحسي الميثولوجي التصوفي، ومنهم: رابعة العدوية، السهروردي، محيي الدين بن عربي، أبي حسن الشاذلي، وكثيرون.

ولن يقف الأمر هنا في اشتراط العلاقة العميقة بين الأدب والميثولوجيا؛ إذ تعمقت هذه العلاقة في فصول الشعر وباقي الأدب -على حدّ سواء- مع تطور أدواته وسماته في العصر الحديث، ويبدو ذلك جليًا في جدارية محمود درويش.

لم يكن الشعر وحده الحامل الأول للأسطورة، بل كان -كما أسلفنا- للقصة القصيرة والروايات دورٌ مهمٌ في تفعيل هذا النمط الأدبي المكتنز بحكايات الأقدمين، كما في روايات نيكوس كزنتزاكيس، وقصص غابرييل ماركيز، وغيرهم، ومنهم –أيضًا- الروائي السوري ممدوح عزام، في روايته (قصر المطر) والتي يذهب فيها بالقارئ إلى فصول الاستنساخ “التقمص”.

أخيرًا، من خلال بحثنا القصير في العلاقة العميقة والواضحة، بين الميثولوجيا بوصفها أسطورة، والأدب بوصفه واقعًا؛ كان لا بدّ من طرح السؤال الأكثر جدلًا: من الذي سبق الآخر في الوجود، ليجعل الأخير حاملًا له؟

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق