هموم ثقافية

صياد وطريدة!

 

أعلم أنني بدينة، وأن لديّ أقدامًا كبيرة، وشَعرًا غير ممشط، وأني في حال سيئة.. ومنذ أن كبرت في العمر وحتى الآن، نادرًا ما أسمع أي تعليق إيجابي من أي امرأة، عن شكل جسدها، أسمع فقط التعليقات السلبية، لكنني أعلم جيدًا أن أغلب هذه التعليقات السلبية تأتي من الأشخاص المشغولين بالابتهاج حين إهانة الآخرين، عن طريق إعجابهم بالمنشورات المهينة الموجودة هنا على (فيسبوك)، لكن في الحقيقة، هؤلاء لا يحبون حتى أنفسهم.

أيتها الفتيات، اليوم أريد أن أضع لكم صورتي، كما هي، من دون مساحيق تجميل! أعرف أن لدي الكثير من التجاعيد على بشرتي، لكن هدفي من هذه الصورة أبعد من ذلك. أريد من خلال هذه الصورة احتضان شكلي الحقيقي، وأريدك أنتِ –أيضًا- أن تحتضني نفسك، كما أنتِ وكيفما أنتِ، وأن تقومي بحب نفسك كما هي.

قومي بنشر هذه الرسالة في كل مكان، واجعليها تصل إلى أولئك الذين يكرهونكِ، واجعليهم يعرفون أنكِ لا تهتمين بتعليقاتهم السلبية، وأنكِ اخترت أن لا تكوني ضحية لبلطجة وعنف الأشخاص الذين يسخرون من الآخرين، على أساس المظهر أو العرق والجنس وغيرها. قومي –أيضًا- بنشرها إذا كنتِ تحبين نفسك كما هي، ولا تريدين تغيير أي شيء فيها، فالأشخاص لا بدّ أن يقوموا بتقديرك واحترام حقيقتك.

كيت وينسلت/ من منشور قديم على صفحتها الشخصية.

(لم يحبني أحد بعمق، رغم هذا العمر الطويل الموشك على نهايته، ورغم العشاق الذين توهموا أنني كنت ذات يوم معشوقتهم، ورغم أنهم نسوني كأنني كنت مجرد بخار يغلي في جوفهم.. لم يحبني أحد للأسف، رغم أنهم أحبوا نساءً بعدي، هنّ أكثر حزنًا مني، دون أن يعرفن.. لم يحبني أحد “بعمق” كما كنت أتخيل، وكما كنت أقرأ عن حيوات الشاعرات، حين يظل معهن -في النهاية- أحدٌ ما، يبكيهن، ويواسيه الناس.. لم يحبني أحد، يحكي عن ذكرياته معي، أحد تلتمع دموعه، حين يقتبسون أشعاري بعد موتي.. لم يحبني أحد “بعمق”، عمق الحفرة الصغيرة التي اختبأت فيها، كي تكون حياتي، وكي تكون قبري، وغرفة معيشتي، ومكتبتي، وبالكاد أمدد لوحًا صغيرًا على حافتها، كي أكتب عليه).

فاطمة قنديل/ شاعرة مصرية

في سياق علاقةٍ مفتوحةٍ على التأويل، يُطِل التصور “النزاري”، ليكرّس تصورًا ذكوريًا منتميًا إلى فضاءٍ عام، موغلٍ في القدم، وصولًا إلى عالم اللحظة الراهنة، حيث شيوع هيمنة الرجل وقيمه وتفوقه في سياق ما يتوهم أنها حضارته: “إني خيرتك فاختاري، ما بين الموت على صدري، أو فوق دفاتر أشعاري، اختاري الحب أو اللاحبّ، فجبنٌ ألا تختاري”.

ينطقُ نزار بلسان هذه الحضارة، التي تضع المرأة بين خيارين لا اختيار فيهما، بين التملك حتى الموت، أو الموت! لا حرية للمرأة هنا، سوى اختيار الموت الألذ!

لا حرية حين لا تجد الإرادة، وحين لا تتوافر إمكانية الاختيار. لا شيء إذن سوى ضرورة عمياء، هي شراك، تسعى حضارة الرجل لتجديدها على الدوام، وما على المرأة سوى أن تُحسن الوقوع فيه.

هذا هو المتواري في الخطاب، والحقيقةُ المسكوت عنها ليست جُبنَ المرأة في عدم الاختيار، بل رعب الرجل الذي يدفعها نحو سجنه الأبدي. في ظاهر العلاقة بين الرجل والمرأة، هذا الظاهر المُعبَّر عنه في مؤسساتٍ وبنى اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية وإعلامية، تبدو فيها سطوة الرجل وقد قادته نشوة انتصاره نحو وهم تفوقه، وحسم مسألة الصراع الزائف لصالحه. وفي باطن العلاقة نجدُ الأمر مختلفًا. هناك حقيقة ترصدها مقاربة مختلفة لعلم النفس، حين يذهب في الحفر بعيدًا إلى ما بعد الشعور أو ما تحته، ليضعنا أمام دلالة صادمة، هي أن القاع النفسي للرجل مغمورٌ بالحصر، يُضمر بعدًا عقديًا في التعاطي، مع المرأة التي آوت روحه في رحمها، لكنها تحولت في قاعِ نفسه إلى رمزٍ للموت. هكذا تكثفت المرأة في الرمز، فالماء رمزٌ يستبطن المرأة، وكذلك الموت والمجهول. فكيف تنشأ الرموز؟

يجيب بيير داكو في كتابه (المرأة الرمز، بحثٌ في سيكولوجية الأعماق)، وهو يذكر مثالين من السينما، ففي أحد الأفلام، ثمة مشهدٌ لمركبٍ شراعي يغرق، وفي اللحظة التي ينغمر فيها المركب بالماء، يُصدر الفيلم أغان نسائية! يتساءل داكو: لماذا في لحظة الغرق هذه ترافق الفيلم أصوات نساءٍ لا أصوات رجال؟ أما المثال الآخر، فهو مأخوذٌ من فيلمٍ مخصصٍ للبعد الرابع، يعرض مركبةً فضائية تنزلق في الكون، وهناك مجددًا أصواتٌ نسائية، تغمغم بلحنٍ لا يُعرف إنْ كان لحنَ أملٍ أم لحنَ وعيد، فلماذا؟!

يقول داكو: “لقد أصبحت المرأة رمزًا متنقلًا، تصعب معرفته إلا من خلال زجاجٍ ضبابي من الإحساسات الإنسانية، وعلى هذا النحو ولّدت تلك الإحساسات التي تثيرها المرأة رموزًا لا حصر لها، ويتضح لنا هنا أن المرأة سرٌّ غامضٌ، يُرمَزُ إليه بالعناصر الطبيعية كالماء والفضاء المجهول. إذا كانت الأنثى تثير الحصر؛ فإن ما يتسم بخصائص أنثوية في الطبيعة يفجر القلق؛ حيث يشير إلى قوةٍ خفيةٍ غامضة.

يرى بيير داكو أن السينما والإعلانات المتلفزة تعتمد على الرمز دون علمها، ويقود الرجلُ هذا الرمز، حيث يشدد على الجانب الغامض للمرأة التي تصبح شبحًا لا قوام له، يخرجُ من الضباب ليعود إليه. ربما كان ذلك جليًا أكثر في الأزياء، حيث تصير المرأة سلعةً، يصعب التمييز بينها وبين السلعة التي تعرضها. كيف يمكن للرموز أن تستعيد مكانها الطبيعي في اللاشعور الإنساني؟ قد لا يكون ذلك قريبَ عهد، بعد أن توغل الرمز بعيدًا في لا شعورنا، لكن المؤكد أن ثمة حاجةً تدعو البشرية لإعادة ترتيب العالم، ولا بداية أفضل من إعادة بناء العلاقة بين الرجل والمرأة، بناءً مختلفًا، يتيح للرموز أن تأخذ مكانها الطبيعي في الرجل نفسه، وتكفَّ عن كونها بيئةً للحصر والعقد، هذه العلاقة تشكل معقلَ رجاءٍ في عالمٍ نريده أجمل وأفضل، عالمٍ لا تكون العلاقة فيه -بين الرجل والمرأة- علاقة صيادٍ وطريدة.

مقالات ذات صلة

إغلاق