قضايا المجتمع

الاستخبارات ومسيرات “الحركة التصحيحية”

 

ثمة حوادث كالوشم في الذاكرة لا يمكن نسيانها، ولا يُمكن التخلص من أثرها، ولأن الاعتقال مستمر في سورية، بل يزداد؛ أجد أن الحديث عن سلوك الأجهزة الأمنية لم يفقد قيمته، فذات يوم في عام 2003 وكنت طبيبة عيون في المشفى الوطني في اللاذقية، كان لديّ مريض من قريةٍ قرب جبلة، عمره 85 سنة، في سوابقه الصحية ذبحةٌ قلبية (أي حالته خطرة)، لأُجري له عملية ساد شيخي (ماء زرقاء)، وفي البداية رفض طبيب التخدير أن يخدره، لأن وضعه الصحي وضعف قلبه لا يسمحان، لكن بعد جهد ودراسة عميقة لحالته، قبِل طبيب التخدير أن يخدره تخديرًا موضعيًا أي أن يعطيه دواء مُسكنًا ومخدرًا في الوريد. في ذلك اليوم الربيعي كان المريض ينتظرني في غرفة العمليات، وقد أعطاه طبيب التخدير الأدوية المُسكنة والمُخدرة اللازمة، أي أنه كان جاهزًا للعمل الجراحي، وكان من عادتنا نحن -الأطباء- أن نوقع في غرفة مدير المشفى توقيعًا صباحيًا وتوقيعًا عند نهاية الدوام. وفوجئت وأنا أخربش توقيعي الصباحي أن مدير المشفى طلب مني أن أبقى في غرفته، فسألته: خير ما القصة! فأشار إلى رجل يلبس ثيابًا مدنية يجلس بجانبه، وقال لي: السيد (س) من جهاز أمن الدولة، وهم يستدعونك ليسألوك بعض الأسئلة. طبعًا هوى قلبي من الخوف المشرش في قلوبنا، وقلت لمدير المشفى: المريض ينتظرني في غرفة العمليات، وهو مُخدر وحالته الصحية صعبة جدًا. الرجل (س) ظل صامتًا، وكأنه واثق بأنه سينجح في مهمته، وسيجرني إلى جهاز أمن الدولة. وقال لي مدير المشفى: عليك أن تذهبي معه الآن. ووجدتني أحكي عن حالة المريض الخطرة والحرجة واستحالة تخديره مرة ثانية، لكن الرجل (س) وقف وقال لي: هيّا معي، ووجدت نفسي أنقاد وراءه كغنمة لا حول لي ولا قوة، وأركب سيارة جيب مقرقعة، ووصلنا إلى مبنى أمن الدولة، وكنت طوال الوقت أفكر بالمريض المسكين، وأفكر أيضًا بابنتي التي لم تكن قد أكملت ثلاث سنوات من عمرها. قادني الرجل (س) إلى غرفة بائسة، حيث كان جنديان يلعبان طاولة الزهر، ويصغيان لأغاني متنوعة بصوت كالجعير كاد يمزق طبلة أذني. ولم أجد مكانًا أجلس فيه سوى سرير معدني عتيق، عليه فرشة في منتهى القذارة، وكان المجندان يتلفظان بنكات بذيئة، ويسترقان النظر إليّ بنظرات وقحة. ووجدتني أسألهما: متى سيستدعيني الضابط؟ وكانا يضحكان بصفاقة ولا يردان على سؤالي. وبعد أربع ساعات من الانتظار في تلك الغرفة الحقيرة، استدعاني الضابط وكنت قد انهرتُ تمامًا من ذل الانتظار. ووجدت نفسي أمام شاب لا يتجاوز عمره 25 سنة، كما قدّرت، يلبس لباسًا عسكريًا مكويًا جيدًا، قال لي بسخرية مبطنة: خير يا دكتورة، تبدين متوترة! فسألته وأنا أكظم غيظي: ما الغاية من جعلي أنتظر أربع ساعات، وكان جوابه أن ضحك، وطلب من الحاجب أن يُحضر كأسين من الشاي، وأخذ يسألني عن رفاقي في الجامعة، ومن كان منهم شيوعيًا أو من جماعة الإخوان المسلمين، ولم أفهم مغزى هذه الأسئلة، فقلت له: لا أعرف، فأنا منذ سنوات لم ألتق برفاقي. وحين قدم لي الحاجب كأس الشاي وجدتني أرشق الضابط بالشاي، وكان لربطة عنقه النصيب الأكبر من الشاي الساخن، ولم أعرف كيف تصرفت بتلك الطريقة، وهو جنّ جنونه وقال لي: سوف أعلمك أن تحترمي ربطة عنق الضابط. لا تغيب عن ذهني تلك الحادثة، ولم أفهم أي جنون أو كبرياء جعلني أرشق الضابط بالشاي. وكان لأبي معارف في حزب البعث (كانوا تلاميذه لأنه أستاذ لغة عربية)، واستطاعوا بنفوذهم أن ينقذوني من انتقام الضابط.

والمريض المسكين عاد إلى قريته دون أن أجري له عملية الماء الزرقاء، وقال لي طبيب التخدير إنه لن يستطيع أن يخدره ثانية إلا بعد عدة أشهر.

حادثة مماثلة حصلت معي، حين كان مريض في الثمانين من عمره، ولديه ربو شديد يحتاج إلى عملية ماء زرقاء (ساد شيخي)، وتعاونت مع طبيب التخدير لتحضيره للعمل الجراحي. وفي يوم العملية، بعد أن أخذ المريض الأدوية المخدرة، هرعت ممرضة إلي في غرفة العمليات وقالت لي: ألغي العملية، دكتورة، يجب على الجميع أن يخرج في مسيرة بمناسبة الحركة التصحيحية! وانفلتت الشتائم مني بعفوية، وقلت: المريض مُخدَّر، واستنزفنا كل طاقاتنا -طبيب التخدير وأنا- لنحضره للعمل الجراحي. فقالت: يأمرك رئيس المشفى بأن لا تُجري أي عملية، وأن تخرجي لتشاركي في مسيرة بمناسبة الحركة التصحيحية. وأذعنت للأوامر وأعطوني وردة حمراء اصطناعية، لأحملها كما أعطوا كل الأطباء، وكان بعض المستخدمين يرقص على جعير موسيقى وطنية، تصم الآذان وبدت اللوحة كاملة: بهاليل التاريخ. وكانت الوردة الحمراء من ورق رديء، إذ صبغت يدينا بالأحمر. وكان بعض الزملاء المتعاونين مع أجهزة الأمن يسجلون اسم الطبيب الذي يتجرأ من الهروب من مسيرة القطيع. وحين عدتُ إلى البيت بعد أربع ساعات من مسيرة الذل والجعير، بعبارات طنانة وطنية ومنافقة، وجدت أمي تحضر المسيرة في التلفاز، فصرخت وأطفأت الشاشة.

 

Tags

مقالات ذات صلة

Close