قضايا المجتمع

التهميش الدولي لقضية المعتقلين سيُفشل أي توافق سياسي

شدد مقالُ رأيٍ صادر عن (هيومن رايتس ووتش) على أنه بالتزامن مع خمود الصراع عسكريًا في بقاع جغرافية سوريّة واسعة، بدءًا باتفاقات المصالحة التي رعتها روسيا وإيران، وانتهاءً بانتزاع (قسد) للرقة؛ بات الحديث عن إعادة الإعمار وعودة اللاجئين في الصدارة، في حين بقي ملف المختفين والمعتقلين منسيًا. ووفقًا لكاتبة المقال سارة كيالي، وهي باحثة سورية مختصة بشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإن “هناك قضية واحدة ما يزال يلُفّها الصمت، وهي قضية المحتجزين والمُختفين من السجناء السياسيين”.

انطلقَ المقال، الذي نُشر أول أمس السبت، من أصل مشكلة الاعتقال في سورية، مرورًا بتطورها إبان الثورة، وظهور جهات أخرى تمارس الاعتقال في سورية، وقال: “أخفَت القوات الحكومية والجماعات المسلحة غير الحكومية واحتجزت واختطفت عشرات آلاف الأشخاص، حتى قبل بدء الحرب، واعتقلت السلطات السورية، وأخفت قسريًا أشخاصًا عارضوا الحكومة سلميًا. فضح (قيصر) انتهاكات الحكومة، بعد أن انشقّ وسرّب أكثر من 55 ألف صورة، لأشخاص قُتلوا رهن الاحتجاز. خلال الحرب شابهت جماعات أخرى النظام مثل تنظيم (داعش) الذي قام باختطاف وإعدام أشخاص”.

نبهت سارة إلى أن قضية المعتقلين مركزية في الحل السوري، وأن أي توافق سياسي لا يضعها في الأولوية مصيره الفشل، وقالت: “الممارسات الوحشية التي تُرتكب بحق المعتقلين هي حجر الزاوية في الصراع السوري، وكما وثّقت (هيومن رايتس ووتش)، غالبًا ما تؤدي إلى التعذيب والموت، غيرَ أن المفاوضات -على الصعيدين الدولي والمحلي- همّشت مطالب الكشف عن مصير هؤلاء الأشخاص، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، أو وقف حالات الاختفاء والتعذيب”.

في السياق ذاته، لفتت سارة إلى أن الإغفال الدولي الواضح لهذه القضية سيكون له نتائج خطيرة على المجتمع، في الوقت الحالي وفي المستقبل، معتبرة أن “الكثير من السوريين طفحَ بهم الكيل من هذا التجاهل”، وأضافت في هذا الجانب: “في 17 تشرين الأول/ أكتوبر، أعلن نحو 500 معتقل في سجن حمص المركزي إضرابًا عن الطعام، للمطالبة بالإفراج عنهم، تلقّت المنظمة بيانات مسربة من السجن على ما يبدو، عن طريق ناشطين وأقارب للمحتجزين، تُفيد بأن معظم السجناء اعتُقلوا بسبب مشاركتهم في الثورة السورية، واحتُجزوا سنوات من دون إمكانية الاتصال بمُحام أو محاكمة. وعندما يمثُل المحتجزون أمام القضاء، يُحالون إلى محكمة مكافحة الإرهاب المشهورة بانحيازها”.

في جانب آخر، أشارت سارة إلى المعتقلين لدى (داعش) الذين بات من الملائم المطالبة بكشف مصيرهم، بعد اندحار التنظيم في الرقة، وأوضحت في هذا الخصوص: “في أوروبا، تعالت أصوات السوريين الذين فرّوا من (داعش)، ومع استعادة الرقة، يريد أُسر الذين اختطفتهم واحتجزتهم وأعدمتهم (داعش) إجابات. أكدّ لي أحد أقارب (إسماعيل الحامد) الذي اختطفه التنظيم، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، أن الجميع سعداء جدًا بنهاية (داعش)، ولكن يبدو أن الناس نسوا مختطفيهم، إذ لا أحد يتحدث عن ذلك. أطلق أقارب المختطفين حملة بعنوان (أين مختطفو داعش؟)، داعين التحالف بقيادة الولايات المتحدة إلى إعطاء الأولوية لهذه القضية، في مرحلة ما بعد (داعش)”.

عدّت سارة أن التجاهل الدولي لهذه المشكلة متعمّد، وقالت في هذا الخصوص: “الرسالة واضحة: مشكلة المحتجزين والمختفين لن تختفي بكل بساطة، والولايات المتحدة وروسيا بحاجة الآن إلى البدء بما تعرفان أنه صحيح، وإيلاء الأولوية للكشف عن مصير مُختفي سورية ومختطفيها، وجعل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين السلميين شرطًا أساسيًا للمفاوضات”.

نظمت فاعليات مدنية، أواخر تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، مبادرة (باص الحرية)، وتهدف إلى الضغط على الجهات المؤثرة، من حكومات أجنبية ومنظمات دولية تُعنى بحقوق الإنسان؛ للتدخل العاجل وإجبار النظام على إخراج المعتقلين، لكونه الجهة الرئيسة المنفذة للاعتقال.

حول أهمية الحراك المدني في قضية المعتقلين، قال علي محمد الشريف، وهو محامٍ ومدرّب في مجال حقوق الإنسان لـ (جيرون): “لا شكّ أن للنشاط الذي يقوم به المجتمع المدني، من أجل المطالبة بالمعتقلين والكشف عن مصيرهم، أهميةً كبيرةً، ومن الممكن أن يكون مؤثرًا وضاغطًا على الحكومات وأنظمتها، وعلى المنظمات والهيئات الأممية الدولية، ويتجسد بحملات حشد ومناصرة، على المستويين المحلي والدولي؛ ليكون وسيلة ضغط على صناع القرار، فضلًا عن تحريك هذه القضية وإثارتها بشكل دائم، في أوساط الرأي العام”.

مؤكدًا على أن “قضية المعتقلين تتطلّب من المجتمع الدولي التحرك الدائم وعدم اليأس، عبر عقد مؤتمرات دولية وورشات عمل، تخرج بتوصيات ومطالبات واقتراحات لحلول، بالترافق مع تظاهرات واعتصامات أمام السفارات ومقار الهيئات الأممية، وتحرك إعلامي واسع”.

نبه الشريف إلى أن عدم الوصول إلى “عدالة انتقالية حقيقية” أمرٌ خطير جدًا، سيؤدي إلى استمرارية دوامة العنف، وأوضح في هذا الصدد: “من الممكن أن يتوقف العنف بشكل مبدئي، ثم يعود بنسب أكثر دموية؛ ذلك أن النفوس لا يمكن أن تهدأ، دون الوصول إلى مصالحة وطنية بين أبناء الشعب، قوامها العدالة، بدءًا من المساءلة الجنائية لكل المجرمين من شتى الأطراف، ومن خلال تطبيق آليات العدالة الانتقالية المعروفة (كشف الحقيقة، التعويض، انتصاف الضحايا وتكريمهم، وتطهير إدارات ومؤسسات الدولة من العناصر المجرمة والفاسدة)، ولا يمكن إعادة إعمار بلد دون عدالة حقّة، يشعر بها كل مواطن”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق